ذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور العباسي بعث إلى من في الحبس من بني أمية يسألهم: “ما أشد ما مر بكم في هذا الحبس؟! قالوا: “ما فقدنا من تربية أبنائنا”.
وهذا يدل على اعتناء السلف بأولادهم وحرصهم على تربيتهم وتأديبهم، وحزنهم إذا غابوا عنهم، خوفا على ألا يؤدبوا على ما يريدون أو يتربوا على غير ما يشتهون.
إشكالية التربية في واقعنا المعاصر يعيشها كل مسلم غيور سواء كان على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع ككل، وكل تربية حتى تؤتي ثمرتها يانعة لابد فيها من أمرين:
منهج تربوى سليم ورشيد، وأسلوب تربوي صحيح وسديد.
ومن سلامة المنهج أن يكون متكاملا وشاملا كل ما يحتاج إليه المربى دينا وخلقا، وروحا وجسما، وعقلا ونفسا.. فلابد أن تكون هناك: تربية عقدية إيمانية وتربية أدبية أخلاقية، وتربية بدنية جسمية، وتربية عقلية علمية، وتربية نفسية اجتماعية، وتربية غريزية جنسية. تربية واضحة في حدودها ومعالمها، متكاملة في مراحلها، حتى تستطيع أن تبني رجلا ينهض بمسؤوليته على أكمل وجه وأنبل معنى.
وكل هذه الأقسام هام وضروري في العملية التربوية، ولكن يأتي على رأسها جميعا التربية العقدية والتربية الإيمانية، إذ هي الركيزة الأساسية في حظيرة الإيمان، وقنطرة الإسلام، وبدونها لا ينهض العبد بمسؤولية ولا يتصف بأمانة، ولا يعمل لمثل أعلى أو هدف أو غاية. بل بدونها يعيش عيش البهائم لا هم له إلا أن يسد جوعته ويشبع غريزته، وهل هذه إلا معيشة الأنعام: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ)[محمد:12].
ومعنى التربية الإيمانية
ربط المرء بأصول الإيمان، وتعوده على أركان الإسلام، وتعلمه مبادئ الشريعة الغراء؛ فهو إحاطة بأصوليات الدين وقواعده، ومبادئه وشرائعه.
وهذه التربية العقدية هي أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى، والتي خلاصتها توحيد الرب سبحانه بأفعاله من خلق ورزق وملك وتدبير، وهو ما يسمى بتوحيد الربوبية، ثم توحيده سبحانه بأفعال الخلق من صلاة وصيام وذبح ودعاء ورجاء واستغاثة، وتوكل وخوف واستعانة، وغيرها مما يدخل تحت مفهوم العبادة، إذ لا معبود بحق إلا الله، وهذا ما يسمى بتوحيد الإلهية.
ثم توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته، وأنه موصوف بكل صفات الكمال، ومنعوت بكل نعوت الجلال، لا يشبه أحدًا من خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو ما يسمى بتوحيد الأسماء والصفات.
ثم قبول كل ما جاء به رسله وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعه دون غيره، وهذا معنى الشهادة التي هي عنوان الإسلام وأصل التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. لا معبود بحق إلا الله، ولا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يهتم جدا بتعلم الناشئة لهذه العقيدة كما كان يلقنها الصحابة وأبناء الصحابة كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال ياغلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك بشي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ